تأكد قبل أن تنشر....

"من سلك طريقا يبتغي فيه علما ، سلك الله به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ، ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد ، كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ، ولا درهما ، إنما ورثوا العلم ، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر"
الراوي: أبو الدرداء المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 2682-خلاصة حكم المحدث: صحيح

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

54-غزوة بدر من تفسير سورة الأنفال

تفسير سورة الأنفال
درس رقم (54)
7ربيع الأول 1436 هـ
تفسير الشيخ السعدي رحمه الله

حوت كثير من وقائع غزوة بدر

 تفسير سورة الأنفال وهي مدنية
‏[‏1 - 4‏]‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {‏ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‏}‏‏.‏
الأنفال هي الغنائم التي ينفلها اللّه لهذه الأمة من أموال الكفار، وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نـزلت في قصة ‏{‏بدر‏}‏ أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، ‏.‏فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاع، فسألوا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنها، فأنـزل اللّه ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَال‏}‏ كيف تقسم وعلى من تقسم‏؟‏
‏{‏قُلْ‏}‏ لهم‏:‏ الأنفال لله ورسوله يضعانها حيث شاءا، فلا اعتراض لكم على حكم اللّه ورسوله،‏.‏ بل عليكم إذا حكم اللّه ورسوله أن ترضوا بحكمهما، وتسلموا الأمر لهما،‏.‏ وذلك داخل في قوله ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ‏}‏ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه‏.‏‏.‏
{‏وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ أصلحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر، بالتوادد والتحاب والتواصل‏.‏‏.‏فبذلك تجتمع كلمتكم، ويزول ما يحصل ـ بسبب التقاطع ـ من التخاصم، والتشاجر والتنازع‏.‏
ويدخل في إصلاح ذات البين تحسين الخلق لهم، والعفو عن المسيئين منهم فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر،‏.‏والأمر الجامع لذلك كله قوله‏:‏ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن الإيمان يدعو إلى طاعة اللّه ورسوله‏.‏ كما أن من لم يطع اللّه ورسوله فليس بمؤمن‏.‏
ومن نقصت طاعته للّه ورسوله، فذلك لنقص إيمانه، ولما كان الإيمان قسمين‏:‏ إيمانا كاملا يترتب عليه المدح والثناء، والفوز التام، وإيمانا دون ذلك ذكر الإيمان الكامل فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ‏}‏ الألف واللام للاستغراق لشرائع الإيمان‏.‏
{‏الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ خافت ورهبت، فأوجبت لهم خشية اللّه تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف اللّه تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب‏.‏
{‏وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا‏}‏ ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم‏.‏ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقا إلى كرامة ربهم، أو وجلا من العقوبات، وازدجارا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان‏.‏
‏{‏وَعَلَى رَبِّهِمْ‏}‏ وحده لا شريك له ‏{‏يَتَوَكَّلُونَ‏}‏ أي‏:‏ يعتمدون في قلوبهم على ربهم في جلب مصالحهم ودفع مضارهم الدينية والدنيوية، ويثقون بأن اللّه تعالى سيفعل ذلك‏.‏
والتوكل هو الحامل للأعمال كلها، فلا توجد ولا تكمل إلا به‏.‏
‏{‏الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ} من فرائض ونوافل، بأعمالها الظاهرة والباطنة، كحضور القلب فيها، الذي هو روح الصلاة ولبها‏.‏ {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ‏}‏ النفقات الواجبة، كالزكوات، والكفارات، والنفقة على الزوجات والأقارب، وما ملكت أيمانهم،‏.‏والمستحبة كالصدقة في جميع طرق الخير‏.‏
‏{‏أُولَئِكَ‏}‏ الذين اتصفوا بتلك الصفات ‏{‏هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا‏}‏ لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان، بين الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، بين العلم والعمل، بين أداء حقوق اللّه وحقوق عباده‏.‏ وقدم تعالى أعمال القلوب، لأنها أصل لأعمال الجوارح وأفضل منها‏.‏ وفيها دليل على أن الإيمان، يزيد وينقص، فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها‏.‏
وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه،‏.‏وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب اللّه تعالى والتأمل لمعانيه‏.‏ثم ذكر ثواب المؤمنين حقا فقال‏:‏ ‏{‏لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏}‏ أي‏:‏ عالية بحسب علو أعمالهم‏.‏ ‏{‏وَمَغْفِرَةٌ‏}‏ لذنوبهم ‏{‏وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‏}‏ وهو ما أعد اللّه لهم في دار كرامته، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر‏.‏
ودل هذا على أن من يصل إلى درجتهم في الإيمان ـ وإن دخل الجنة ـ فلن ينال ما نالوا من كرامة اللّه التامة‏.‏
‏[‏5 - 8‏]‏ ‏{‏كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ‏}‏‏.‏
قدم تعالى ـ أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة ـ الصفات التي على المؤمنين أن يقوموا بها، لأن من قام بها استقامت أحواله وصلحت أعماله، التي من أكبرها الجهاد في سبيله‏.‏ فكما أن إيمانهم هو الإيمان الحقيقي، وجزاءهم هو الحق الذي وعدهم اللّه به، كذلك أخرج اللّه رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من بيته إلى لقاء المشركين في ‏{‏بدر‏}‏ بالحق الذي يحبه اللّه تعالى، وقد قدره وقضاه‏.‏
وإن كان المؤمنون لم يخطر ببالهم في ذلك الخروج أنه يكون بينهم وبين عدوهم قتال‏.‏
فحين تبين لهم أن ذلك واقع، جعل فريق من المؤمنين يجادلون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك، ويكرهون لقاء عدوهم، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون‏.‏
والحال أن هذا لا ينبغي منهم، خصوصا بعد ما تبين لهم أن خروجهم بالحق، ومما أمر اللّه به ورضيه‏.‏ فبهذه الحال ليس للجدال محل ‏[‏فيها‏]‏ لأن الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر‏.‏ فأما إذا وضح وبان، فليس إلا الانقياد والإذعان‏.‏
هذا وكثير من المؤمنين لم يجر منهم من هذه المجادلة شيء، ولا كرهوا لقاء عدوهم‏.‏ وكذلك الذين عاتبهم اللّه، انقادوا للجهاد أشد الانقياد، وثبتهم اللّه، وقيض لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم كما سيأتي ذكر بعضها‏.‏
وكان أصل خروجهم يتعرضون لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام، قافلة كبيرة‏.‏ فلما سمعوا برجوعها من الشام، ندب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الناس‏.‏ فخرج معه ثلاثمائة، وبضعة عشر رجلًا معهم سبعون بعيرًا، يعتقبون عليها، ويحملون عليها متاعهم‏.‏ فسمعت بخبرهم قريش، فخرجوا لمنع عيرهم، في عَدَدٍ كثير وعُدَّةٍ وافرة من السلاح والخيل والرجال، يبلغ عددهم قريبًا من الألف‏.‏
فوعد اللّه المؤمنين إحدى الطائفتين، إما أن يظفروا بالعير، أو بالنفير‏.‏ فأحبوا العير لقلة ذات يد المسلمين، ولأنها غير ذات شوكة‏.‏ ولكن اللّه تعالى أحب لهم وأراد أمرًا أعلى مما أحبوا‏.‏
أراد أن يظفروا بالنفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدهم‏.‏ ‏{‏وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ‏}‏ فينصر أهله ‏{‏وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ يستأصل أهل الباطل، ويُرِيَ عباده من نصره للحق أمرا لم يكن يخطر ببالهم‏.‏
‏{‏لِيُحِقَّ الْحَقَّ‏}‏ ‏[‏بما يظهر من الشواهد والبراهين على صحته وصدقه‏.‏ ‏{‏وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ‏}‏ بما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه ‏{‏وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ‏}‏ فلا يبالي اللّه بهم‏.‏
‏[‏9 - 14‏]‏ ‏{‏إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُن ـ زلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ‏.‏
أي‏:‏ اذكروا نعمة اللّه عليكم، لما قارب التقاؤكم بعدوكم، استغثتم بربكم، وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم ‏{‏فَاسْتَجَابَ لَكُمْ‏}‏ وأغاثكم بعدة أمور‏:‏‏.‏
منها‏:‏ أن اللّه أمدكم ‏{‏بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ‏}‏ أي‏:‏ يردف بعضهم بعضًا‏.‏
{‏وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ إن ـ زال الملائكة ‏{‏إِلا بُشْرَى‏}‏ أي‏:‏ لتستبشر بذلك نفوسكم، ‏{‏وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ‏}‏ وإلا فالنصر بيد اللّه، ليس بكثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ‏.‏‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ‏}‏ لا يغالبه مغالب، بل هو القهار، الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا‏.‏ ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ حيث قدر الأمور بأسبابها، ووضع الأشياء مواضعها‏.‏
ومن نصره واستجابته لدعائكم أن أن ـ زل عليكم نعاسا ‏{‏يُغَشِّيكُمُ‏}‏ ‏[‏أي‏]‏ فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون ‏{‏أَمَنَةً‏}‏ لكم وعلامة على النصر والطمأنينة‏.‏
ومن ذلك‏:‏ أنه أن ـ زل عليكم من السماء مطرا ليطهركم به من الحدث والخبث، وليطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه‏.‏
{‏وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ يثبتها فإن ثبات القلب، أصل ثبات البدن، ‏{‏وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ‏}‏ فإن الأرض كانت سهلة دهسة فلما ن ـ زل عليها المطر تلبدت، وثبتت به الأقدام‏.‏
ومن ذلك أن اللّه أوحى إلى الملائكة ‏{‏أَنِّي مَعَكُمْ‏}‏ بالعون والنصر والتأييد، ‏{‏فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ أي‏:‏ ألقوا في قلوبهم، وألهموهم الجراءة على عدوهم، ورغبوهم في الجهاد وفضله‏.‏
{‏سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ‏}‏ الذي هو أعظم جند لكم عليهم، فإن اللّه إذا ثبت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين، لم يقدر الكافرون على الثبات لهم ومنحهم اللّه أكتافهم‏.‏
وهذا خطاب، إما للملائكة الذين أوحى الله إليهم أن يثبتوا الذين آمنوا فيكون في ذلك دليل أنهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين يشجعهم اللّه، ويعلمهم كيف يقتلون المشركين، وأنهم لا يرحمونهم، وذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله أي‏:‏ حاربوهما وبارزوهما بالعداوة‏.‏
{‏وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏ ومن عقابه تسليط أوليائه على أعدائه وتقتيلهم‏.‏
‏{‏ذَلِكُمْ‏}‏ العذاب المذكور ‏{‏فَذُوقُوهُ‏}‏ أيها المشاققون للّه ورسوله عذابا معجلا‏.‏ ‏{‏وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ‏}‏‏.‏
وفي هذه القصة من آيات اللّه العظيمة ما يدل على أن ما جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسول اللّه حقًا‏.‏
منها‏:‏ أن اللّه وعدهم وعدا، فأنجزهموه‏.‏
ومنها‏:‏ إجابة دعوة اللّه للمؤمنين لما استغاثوه بما ذكره من الأسباب، وفيها الاعتناء العظيم بحال عباده المؤمنين، وتقييض الأسباب التي بها ثبت إيمانهم، وثبتت أقدامهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية‏.‏
ومنها‏:‏ أن من لطف اللّه بعبده أن يسهل عليه طاعته، وييسرها بأسباب داخلية وخارجية‏.‏
يأمر اللّه تعالى عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية، والقوة في أمره، والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان، فقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا‏}‏ أي‏:‏ في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، ‏{‏فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ‏}‏ بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين اللّه، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهابا للكافرين‏.‏
وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد‏.‏
ومفهوم الآية‏:‏ أن المتحرف للقتال، وهو الذي ينحرف من جهة إلى أخرى، ليكون أمكن له في القتال، وأنكى لعدوه، فإنه لا بأس بذلك، لأنه لم يول دبره فارا، وإنما ولى دبره ليستعلي على عدوه، أو يأتيه من محل يصيب فيه غرته، أو ليخدعه بذلك، أو غير ذلك من مقاصد المحاربين، وأن المتحيز إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار، فإن ذلك جائز،فإن كانت الفئة في العسكر، فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محل المعركة كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز،ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون أن الانهزام أحمد عاقبة، وأبقى عليهم‏.‏
أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم، فيبعد ـ في هذه الحال ـ أن تكون من الأحوال المرخص فيها، لأنه ـ على هذا ـ لا يتصور الفرار المنهي عنه، وهذه الآية مطلقة، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد‏.‏
‏[‏17 - 19‏]‏ ‏{‏فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ * إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏‏.‏
يقول تعالى ـ لما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون - ‏{‏فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ‏}‏ بحولكم وقوتكم ‏{‏وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ‏}‏ حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره‏.‏
{‏وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى‏}‏ وذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقت القتال دخل العريش وجعل يدعو اللّه، ويناشده في نصرته،ثم خرج منه، فأخذ حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها اللّه إلى وجوههم،فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم، وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا‏.‏
يقول تعالى لنبيه‏:‏ لست بقوتك ـ حين رميت التراب ـ أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا‏.‏ ‏{‏وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا‏}‏ أي‏:‏ إن اللّه تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن اللّه أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابًا جزيلًا‏.‏
{‏إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏ يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله‏.‏
‏[‏18‏]‏ ‏{‏ذَلِكُمْ‏}‏ النصر من اللّه لكم ‏{‏وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ مضعف كل مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعل مكرهم محيقا بهم‏.‏
‏[‏19‏]‏ ‏{‏إِنْ تَسْتَفْتِحُوا‏}‏ أيها المشركون، أي‏:‏ تطلبوا من اللّه أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين‏.‏
{‏فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ‏}‏ حين أوقع اللّه بكم من عقابه، ما كان نكالاً لكم وعبرة للمتقين ‏{‏وَإِنْ تَنْتَهُوا‏}‏ عن الاستفتاح ‏{‏فَهُوَ خَيْرٌ‏}‏ لأنه ربما أمهلتم، ولم يعجل لكم النقمة‏.‏ ‏{‏وإن تعودوا‏}‏ إلى الاستفتاح وقتال حزب الله المؤمنين ‏{‏نَعُدْ‏}‏ في نصرهم عليكم‏.‏
{‏وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ أعوانكم وأنصاركم، الذين تحاربون وتقاتلون، معتمدين عليهم، شَيئا وأن الله مع الْمؤمنين‏.‏
ومن كان اللّه معه فهو المنصور وإن كان ضعيفا قليلا عدده، وهذه المعية التي أخبر اللّه أنه يؤيد بها المؤمنين، تكون بحسب ما قاموا به من أعمال الإيمان‏.‏
فإذا أديل العدو على المؤمنين في بعض الأوقات، فليس ذلك إلا تفريطا من المؤمنين وعدم قيام بواجب الإيمان ومقتضاه، وإلا فلو قاموا بما أمر اللّه به من كل وجه، لما انهزم لهم راية ‏[‏انهزاما مستقرا‏]‏ ولا أديل عليهم عدوهم أبدا‏.

نكمل من هنا 

الاثنين، 22 ديسمبر 2014

53- غزوة بدر الكبرى


53- غزوة بدر الكبرى
30 صفر 1436

تعد غزوة بدر الكبرى أول معركة في الإسلام قامت بين الحق والباطل؛ لذلك سميت يوم الفرقان، وكانت البداية حينما خرج المسلمون للقاء قافلة أبو سفيان ولم يكونوا خارجين للقتال، ولكن الله أراد لهم النصرة والعزة للإسلام واستئصال شوكة الكفر،

ولنكمل مابدأناه بالحديث :

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال :(لمَّا سمِع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأبي سفيانَ مُقبِلًا من الشَّامِ ندب المسلمين إليهم ، وقال : هذه عيرُ قريشٍ فيها أموالُهم ، فاخرجوا إليها لعلَّ اللهَ أن يُنفِلَكموها .

 فانتدب النَّاسُ ، فخفَّ بعضُهم وثقُل بعضُهم ، وذلك أنَّهم لم يظنُّوا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَلقَى حربًا ،
 وكان أبو سفيانَ قد استنفر حين دنا من الحجازِ يتجسَّسُ الأخبارَ ، ويسألُ من لقي من الرُّكبانِ ، تخوُّفًا على أمرِ النَّاسِ ،
 حتَّى أصاب خبرًا من بعضِ الرُّكبانِ : أنَّ محمَّدًا قد استنفر أصحابَه لك ولعيرِك ، فحذِر عند ذلك ، فاستأجر ضمضمَ بنَ عمرٍو الغفاريَّ ، فبعثه إلى أهلِ مكَّةَ ، وأمره أن يأتيَ قريشًا فيستنفرَهم في أموالِهم ، ويخبرَهم أنَّ محمَّدًا قد عرض لها في أصحابِه ، فخرج ضمضمُ بنُ عمرٍو سريعًا إلى مكَّةَ ،

وخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أصحابِه حتَّى بلغ واديًا يقال له : ذَفِرانُ ، فخرج منه حتَّى إذا كان ببعضِه نزل ،
وأتاه الخبرُ عن قريشٍ بمسيرِهم ليمنعوا عيرَهم فاستشار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النَّاسَ ، وأخبرهم عن قريشٍ ، فقام أبو بكرٍ ، رضِي اللهُ عنه ، فقال فأحسن ، ثمَّ قام عمرُ فقال فأحسن ، ثمَّ قام المقدادُ بنُ عمرٍو فقال : يا رسولَ اللهِ ، امضِ لما أمرك اللهُ به ، فنحن معك ، واللهِ لا نقولُ لك كما قالت بنو إسرائيلَ لموسَى : { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } [ المائدة : 24 ] ولكن اذهبْ أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكما مقاتلون ، فوالَّذي بعثك بالحقِّ ، لو سِرتَ بنا إلى بَرْكِ الغَمادِ – يعني مدينةَ الحبشةِ – لجالدنا معك مَن دونَه حتَّى تبلُغَه ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خيرًا ، ودعا له بخيرٍ ،

 ثمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : أشيروا عليَّ أيُّها النَّاسُ – وإنَّما يريدُ الأنصارَ – وذلك أنَّهم كانوا عددَ النَّاسِ ، وذلك أنَّهم حين بايعوه بالعَقبةِ قالوا : يا رسولَ اللهِ ، إنَّا برآءٌ من ذمامِك حتَّى تصلَ إلى دارِنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذممِنا نمنعُك ممَّا نمنعُ منه أبناءَنا ونساءَنا ، فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتخوَّفُ ألَّا تكونَ الأنصارُ ترَى عليها نصرتَه إلَّا ممَّن دهمه بالمدينة ، من عدوِّه ، وأن ليس عليهم أن يسيرَ بهم إلى عدوٍّ من بلادِهم ،

فلمَّا قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك ، قال له سعدُ بنُ معاذٍ : واللهِ لكأنَّك تريدُنا يا رسولَ اللهِ ؟ قال : أجل . قال : فقد آمنَّا بك ، وصدَّقناك ، وشهِدنا أنَّ ما جئت به هو الحقُّ ، وأعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقَنا على السَّمعِ والطَّاعةِ ، فامضِ يا رسولَ اللهِ لما أمرك اللهُ . فوالَّذي بعثك بالحقِّ ، إن استعرضتَ بنا هذا البحرّ فخضتَه لخضناه معك ، ما يتخلَّفُ منَّا رجلٌ واحدٌ ، وما نكرهُ أن تَلقَى بنا عدوَّنا غدًا ، إنَّا لصُبُرٌ في الحربِ ، صُدُقٌ عند اللِّقاءِ ، ولعلَّ اللهَ يريك منَّا ما تقرُّ به عينُك ، فسِرْ بنا على بركةِ اللهِ . فسُرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقولِ سعدٍ ، ونشَّطه ذلك ، ثمَّ قال : سيروا على بركةِ اللهِ وأبشروا ، فإنَّ اللهَ قد وعدني إحدَى الطَّائفتين ، واللهِ لكأنِّي الآن أنظرُ إلى مصارعِ القومِ)

الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: أحمد شاكر - المصدر: عمدة التفسير - الصفحة أو الرقم: 2/103
خلاصة حكم المحدث: [أشار في المقدمة إلى صحته]

ونكمل أحداث المعركة:
وفي ليلة المعركة وهي ليلة السابعة عشرة من رمضان ليلة الجمعة أصاب المسلمون نعاساً فناموا ،

فقال علي بن أبي طالب ري الله عنه :(ما كان فينا فارسٌ يومَ بدرٍ غيرُ المقدادِ ، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائمٌ ، إلا رسولُ اللهِ تحت شجرةٍ ، يصلِّي ويبكي ، حتى أصبحَ)

الراوي: علي بن أبي طالب المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 3330 - خلاصة حكم المحدث: صحيح

فرأى المشركون المسلمون فهابوهم مما رأوا وهم قلة فترددوا بينهم وقال لهم أبو جهل بعدما سمع ما تناقله في صفوفه: والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأفسد على الناس رأيهم وحميت الحرب.
ففي صبيحة يوم الجمعة صفّ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه صفوفاً متراصة ثم خرج من صفوف المشركين عُتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة بن ربيعة وإليكم الحديث:

 « عن عليٍّ ، قالَ : تقدَّمَ - يعني عُتبةَ بنَ ربيعةَ - وتبِعَهُ ابنُهُ وأخوهُ فَنادَى مَن يُبارزْ ؟ فانتدبَ لَهُ شبابٌ منَ الأنصارِ. فقالَ : مَن أنتُمْ ؟ فأخبروهُ فقالَ : لا حاجةَ لَنا فيكُم إنَّما أردنا بَني عمِّنا ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ : قُم يا حمزةُ ، قُم يا عليُّ ، قُم يا عُبَيْدةَ بنَ الحارثِ. فأقبلَ حمزةُ إلى عُتبةَ ، وأقبَلتُ إلى شَيبةَ ، واختلفَ بينَ عُبَيْدَةَ والوليدِ ضربَتانِ فأثخَنَ كلُّ واحدٍ منهُما صاحبَهُ ، ثمَّ مِلنا علَى الوليدِ فقتَلناهُ ، واحتمَلنا عُبَيْدَةَ)
الراوي: علي بن أبي طالب المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 2665-خلاصة حكم المحدث: صحيح »
 ثلاثة أمام ثلاثة.
يقول: فتعاون الصحابة الثلاثة رضي الله عنهم وأرضاهم فتقاتلوا مع المشركين ورجعوا إلى صفوفهم بعد أن قتلوهم،

وعند تسوية الصفوف تحدث أمور من المعاني الإيمانية التي يذكرها التاريخ وتكتبها كتب السنة لتبين لك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينفك ولم يخرج عن حالته صلى الله عليه وسلم الإيمانية، ولم يخرج أصحابه صلى الله عليه وسلم عن حالهم الإيماني،

بل عن حبهم للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- (وكأنهم يرون الجنة) ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عدَّلَ صفوفَ أصحابِه يومَ بدرٍ وفي يدِه قدحٌ يعدِّلُ به القومَ فمرَّ بسوادِ بنِ غَزيَّةَ حليفَ بني عدي بنِ النَّجارِ وهو مُسْتنتِلٌ من الصفِّ فطعن في بطنِه بالقدحِ وقال استوِ يا سوادُ فقال يا رسولَ اللهِ أوجَعْتَني وقد بعثك اللهُ بالحقِّ والعدلِ فأقِدْني قال فكشف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن بطنِه وقال استقِدْ قال فاعتنقَه فقبَّل بطنَه فقال ما حملكَ على هذا يا سوادُ قال يا رسولَ اللهِ حضَر ما ترى فأردتُ أن يكون آخرُ العهدِ بك أن يمَسَّ جلدي جلدَك فدعا له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بخيرٍ وقال له استوِ يا سوادُ)

الراوي: أشياخ من قوم حبان بن واسع المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 6/808-خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن إن شاء الله تعالى

، ودخل سواد بن غزية وقتل في هذه المعركة رضي الله عنه وأرضاه.
والتحم الصفين وكانت المعركة التي شهد لها التاريخ وذكرها القرآن الكريم، وقائدها الأعلى صلى الله عليه وسلم ينظر ويشاهد جنود الله تبارك وتعالى وفرسان الإسلام أهل الحق يقفون يحاربون يقاتلون بعزة وشراسة وشرف يدافعون عن دين الله تبارك وتعالى، يقاتلون من كفر بالله لإعلاء كلمة الله،

 ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ في هذا العريش الذي بناه له أصحابه رافعا يديه وخلفه أبو بكر الصديق وهو يقول:

 « لما كان يومُ بدرٍ ، نظر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى المشركين وهم ألفٌ ، وأصحابُه ثلاثمائةٍ وتسعةَ عشرَ رجلًا . فاستقبل نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ القبلةَ . ثم مدَّ يدَيه فجعل يهتف بربِّه ( اللهمَّ ! أَنجِزْ لي ما وعدتَني . اللهمَّ ! آتِ ما وعدتَني . اللهمَّ ! إن تهلِك هذه العصابةُ من أهلِ الإسلامِ لا تُعبدُ في الأرض ) فما زال يهتف بربِّه ، مادًّا يدَيه ، مستقبلَ القبلةِ ، حتى سقط رداؤُه عن منكبَيه . فأتاه أبو بكرٍ . فأخذ رداءَه فألقاه على منكبَيه . ثم التزمه من ورائِه . وقال : يا نبيَّ اللهِ ! كفاك مُناشدتُك ربَّك . فإنه سينجز لك ما وعدك .
 فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفَينَ [ 8 / الأنفال / 9 ] فأمدَّه اللهُ بالملائكة ِ. قال أبو زميلٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ قال : بينما رجلٌ من المسلمين يومئذٍ يشتدُّ في أثر ِرجلٍ من المشركين أمامَه . إذ سمع ضربَةً بالسوطِ فوقَه . وصوتُ الفارسِ يقول : اقدُمْ حَيزومُ . فنظر إلى المشركِ أمامه فخرَّ مُستلقيًا . فنظر إليه فإذا هو قد خُطم أنفُه ، وشُقَّ وجهُه كضربةِ السوطِ . فاخضرَّ ذلك أجمعُ . فجاء الأنصاريُّ فحدَّثَ بذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فقال ( صدقت . ذلك مددٌ السماء الثالثةِ ) فقتلوا يومئذٍ سبعين . وأسَروا سبعين . قال أبو زميل :
 قال ابن عباسٍ : فلما أسروا الأسارى قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأبي بكرٍ وعمرَ ( ما ترون في هؤلاء الأسارَى ؟ ) فقال أبو بكرٍ : يا نبيَّ اللهِ ! هم بنو العمِّ والعشيرة . أرى أن تأخذ منهم فديةً . فتكون لنا قوةً على الكفار . فعسى اللهُ أن يهديَهم للإسلام . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ( ما ترى ؟ يا ابنَ الخطابِ ؟ ) قلتُ : لا . واللهِ ! ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ . ولكني أرى أن تمكنّا فنضرب أعناقَهم . فتمكِّنُ عليًّا من عقيل فيضرب عنقَه . وتمكني من فلان ( نسيبًا لعمرَ ) فأضرب عنقَه . فإنَّ هؤلاءِ أئمةُ الكفرِ وصناديدُها .
فهوى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما قال أبو بكرٍ . ولم يهوَ ما قلتُ . فلما كان من الغدِ جئتُ فإذا رسولُ الله ِصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأبو بكرٍ قاعدَين يبكيان . قلتُ : يا رسولَ اللهِ ! أخبِرْني من أيِّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك . فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ . وإن لم أجدْ بكاءً تباكيت لبكائِكما .

 فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ( أبكي للذي عرض على أصحابِك من أخذهم الفداءَ . لقد عُرض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرةِ ) ( شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله ِصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ) 

وأنزل اللهُ عزّ وجلَّ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ . إلى قولِه : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا [ 8 / الأنفال / 67 - 69 ] فأحل اللهُ الغنيمةَ لهم ).

الراوي: عبدالله بن عباس و عمر بن الخطاب المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 1763-خلاصة حكم المحدث: صحيح

ثم قام صلى الله عليه وسلم  بعد أن أخذته سنةٌ من النوم فقال: ( أبشِر يا أبا بكرٍ أتاكَ نصرُ اللَّهِ ؛ هذا جِبريلُ آخذٌ بعَنانِ فرسِهِ يقودُهُ علَى ثَنايا النَّقعِ ! !) .
الراوي: عبدالله بن ثعلبة المحدث: الألباني - المصدر: فقه السيرة - الصفحة أو الرقم: 227-خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن

وخرج النبي صلى الله عليه وسلم يحض أصحابه وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]، وجاء إلى صفوف المسلمين يحرضهم ويشد من أزرهم صلى الله عليه وسلم ويعدهم بالجنة في سبيل الله تبارك وتعالى، وعندما اشتد الوطيس وتوالت الإمدادات الإلهية بجند من الله تبارك وتعالى بنزول جبريل والملائكة من السماء يقاتلون مع المؤمنين حتى أن المؤمنين كانوا يرونهم رأي العين،

 كما قال علي رضي الله عنه وأرضاه:( قد رأيتُنا يَومَ بدرٍ ونحنُ نَلوذُ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو أقرَبُنا إلى العدُوِّ وكان من أشَدِّ الناسِ يومَئِذٍ بأسًا)
الراوي: علي بن أبي طالب المحدث: أحمد شاكر - المصدر: مسند أحمد - الصفحة أو الرقم: 2/64-خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.

ودارت الدائرة على أعداء الله ورسوله ومضى المسلمون الأبطال الأشاوس يأسرون من الكفّار ويقاتلون صناديد الكفر واحدا بعد الآخر حتى قتلوا منهم ما يزيد على سبعين منهم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه وأبيه في أول المعركة، وقتل في هذه المعركة أبو جهل الذي قتله معاذ ومعوّذ أبناء عفرة  ولنسمع لقصة قتلهما إياه:

عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: (بينا أنا واقفٌ في الصفِّ يومَ بدرٍ ، فنظرتُ عن يميني وعن شمالي ، فإذا أنا بغلامينِ من الأنصارِ ، حديثةٌ أسنانهما ، تمنيتُ أن أكونَ بين أضلعٍ منهما ، فغمزني أحدهما فقال : يا عمِّ هل تعرفُ أبا جهلٍ ؟ قلتُ : نعم ، ما حاجتكَ إليهِ يا ابنَ أخي ؟ قال : أُخْبِرْتُ أنَّهُ يَسُبُّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، والذي نفسي بيدِهِ ، لئن رأيتُهُ لا يُفارقُ سوادي سوادَهُ حتى يموتَ الأعجلُ مِنَّا ، فتعجبتُ لذلك ، فغمزني الآخرُ ، فقال لي مثلَها ، فلم أَنْشِبْ أن نظرتُ إلى أبي جهلٍ يجولُ في الناسِ ، قلتُ : ألا ، إنَّ هذا صاحبكما الذي سألتماني ، فابتدراهُ بسيفهما ، فضرباهُ حتى قتلاهُ ، ثم انصرفا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأخبراهُ ، فقال : أيكما قتلَهُ . قال كلُّ واحدٍ منهما : أنا قتلتُهُ ، فقال : هل مسحتما سيفيْكما ؟ قالا : لا ، فنظرَ في السيفيْنِ ، فقال : كلاكما قتلَهُ ، سلَبُهُ لمعاذِ بنِ عمرو بنِ الجموحِ . وكانا معاذَ بنَ عفراءَ ومعاذَ بنَ عمرو بنِ الجموحِ) .
الراوي: عبدالرحمن بن عوف المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 3141-خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

، ولكنه لم يمت من هذه الضربة فجاء إليه عبد الله بن مسعود وصعد على صدره فقال له أبو جهل عدو الله والحديث :
 عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:  (مررت فإذا أبو جهل صريع قد ضربت رجله فقلت يا عدو الله يا أبا جهل قد أخزى الله الأخر قال ولا أهابه عند ذلك فقال أبعد من رجل قتله قومه فضربته بسيف غير طائل فلم يغن شيئا حتى سقط سيفه من يده فضربته به حتى برد)
الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 2709-خلاصة حكم المحدث: صحيح
  
، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم فألقي به في القليب مع بقية المشركين.
ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى عريشه عند زوال الشمس في ذلك اليوم العظيم ورجعت فلول قريش إلى أماكنها منهزمين مدحورين أذلة صاغرين، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفن القتلى في القليب، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رسلا يبشرونهم بوعد الله تبارك وتعالى، ويبشرونهم بما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم.

وحكم الله سبحانه في الغنائم فكانت للمؤمنين والمؤمنات كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1].

وفي اليوم الثالث بعد أن انتهت المعركة رجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى مكان المعركة فأخذ ينادي عليهم ( فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يُلْقيهُم : هل وجدْتم ما وعدَكم ربُّكم حقًا ؟,قال موسى: قال نافعُ: قال عبدُ اللهِ: قال ناسٌ من أصحابِه: يا رسولَ اللهِ تنادي ناسًا أمواتًا! قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ما أنتم بأسمعَ لما قلتُ منهم).

الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4026-خلاصة حكم المحدث: [صحيح] »

فقال عمر: يا رسول الله تخاطب الجيف تخاطب أجساداً لا أرواح فيها؟ قال: والله أو قال «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومعه سبعون من الأسرى فرّقهم بين أصحابه صلى الله عليه وسلم وأوصاهم بهم خيراً حتى حكم الله سبحانه فيهم بالفداء ومنّ على بعضهم لكونهم فقراء، وعلى بعضهم ليعلموا المسلمين القراءة والكتابة، وذلك ليستفيد مما عندهم من العلم ،

 وقد استشهد في هذه المعركة العظيمة أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين وستة من الخزرج واثنان من الأوس وانتهت هذه المعركة التاريخية العظيمة مخلفة خلفها مجد هذه الأمة العظيمة.

ونقف هنا للفوائد
النور اليقين في سيرة سيد المرسلين- بتصرف

الاثنين، 8 ديسمبر 2014

(52)الأمر بقتال المشركين- غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم


سيرة52
16صفر1436هـ
مشروعية القتال:
بعد أن أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه سبحانه ﴿اصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ [الأحقاف: 35]، وكان كثيرا ما يقص الله سبحانه عليه من أنباء إخوانه من الأنبياء والمرسلين كل ذلك ليثبت فؤاده صلى الله عليه وسلم،
 ولما ازداد طغيان أهل مكة وألجئوه إلى الخروج من داره بعد أن ائتمروا على قتله صلى الله عليه وسلم وكانوا هم البادئين بهذه الحرب وهم البادئين لهذه العِداوة على المسلمين حيث أخرجوهم من مكة ومن ديارهم ومن أموالهم بغير حق

 أنزل الله تبارك وتعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: 39، 40]، ثم أمرهم بذلك في قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190].
فوجد المسلمون أنفسهم أمام خيار الحرب ولابد لهم من الحرب، فأذن الله تبارك وتعالى لهم بالقتال لقتال كافة الأعداء لم يستثن منهم عدو، فالأمر بالقتال جاء أمرا عاما في قتال كافة الأعداء لم يستثن عدوا بعينه،لأن الأمر جاء عاما، وهذه من المؤيدات على ضعف الروايات التي تقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد اليهود على ألا يحاربهم.
فقال صلى الله عليه وسلم: «أمرتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءَهُم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»،.

  وصار قتال رسول الله للأعداء علي هذه المبادئ الآتية:
أولا: اعتبار مُشرِكي قريش محاربين لأنهم بدؤوا بالعداوة.
ثانيًا: متى رُئِيَ من اليهود خيانة وتحيّز للمشركين قوتلوا حتى يؤمن جانبهم.
ثالثًا: متى تعدّت قبيلة من العرب على المسلمين أو ساعدت قريشاً قوتلت حتى تدين بالإسلام.
رابعًا: كل من بادئه بعداوة من أهل الكتاب كالنصارى قوتل حتى يذعن بالإسلام.
خامسًا: كل من أسلم فقد عصم دمه وماله إلا بحقه، والإسلام يهدم ما قبله أو يقطع ما قبله.

وقد أنزل الله تبارك وتعالى آيات فيها تحريضاً على القتال فقال: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74]. وقال في الموضوع آخر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15، 16].
ولنسهل عليكم الغزوات، غزوة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا تختلط عليكم الأمور غزوات النبي النبي صلى الله عليه وسلم ، عدد الغزوات والسرايا التي غزاها النبي النبي صلى الله عليه وسلم تسع وعشرون غزوة، عدد أطلق المؤرخون اسم الغزوة على المجموعة أو الجيش من المسلمين الذي يقوده النبي النبي صلى الله عليه وسلم ، فكل جيش فيه النبي النبي صلى الله عليه وسلم يسمى غزوة.
واسم السريّة على المجموعة أو على الجيش من المسلمين الذي يقوده أحد المسلمين أو بعض أفرادهم فهذه تسمى السرية، والقلة منهم تسمى بعث، بعث النبي النبي صلى الله عليه وسلم بعثا.
وكانت أول الخطوات في ميدان الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى وفي إرسال السرايا والبعوث للسيطرة على خطوط -كما نسميه الآن باللغة العسكرية خطوط الإمدادات للعدو- للوصول إلى الخطوط والطرق التجارية شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وعزل قريش عن سائر القبائل العربية حتى لا يصل إليها أي إمدادات أو قوافل من الشام أو من غيرها بهدف شل الحركة الاقتصادية عند أهل قريش البادئون بالحرب على النبي النبي صلى الله عليه وسلم ، وإضعافهم هم ومن حالفهم من قريش.
فالهدف العام من قتال النبي النبي صلى الله عليه وسلم مع مشركي قريش هو إضعافهم حتى لا يصل إليهم أي إمدادات حتى يذعنوا لدين الله تبارك وتعالى.
شارك النبي النبي صلى الله عليه وسلم في حياته قائدا ومقاتلا في ثمان وعشرين معركة.
تقسيم المعارك:
السنة الثانية للهجرة :(الأبواء، بُوَاط، العُشيرة، سفوان، بدر الكبرى، بنو سليم، بنو قينقاع، السويق) ثمانية.
السنة الثالثة للهجرة: (ذو أَمر، بُحران، أُحد، حمراء الأسد) أربع معارك.
السنة الرابعة للهجرة: (بنو النضير، بدر الموعد) معركتان.
السنة الخامسة للهجرة النبوية: (دومة الجندل، بنو المصطلق، الأحزاب، بنو قريظة) أربع معارك.
السنة السادسة للهجرة: (بنو لحيان، والحديبية) معركتان.
السنة السابعة للهجرة: (الغابة، وخيبر، وذات الرقاع، وعمرة القضاء) أربع معارك.
الثامنة للهجرة: (فتح مكة، وحنين، والطائف» ثلاث معارك.
 السنة التاسعة للهجرة: معركة واحدة وهي معركة (تبوك).
الخلاصة: أن عدد الغزوات التي قادها النبي النبي صلى الله عليه وسلم قائدا للمعركة فيها ثمان وعشرون غزوة، وعدد الغزوات التي دار فيها القتال بين الطرفين قتال حقيقي تسع غزوات، وعدد الغزوات التي حققت أهدافها دون قتال تسعة عشر غزوة.
استمرت الغزوات ثمان سنوات من سنة اثنين هجرية إلى سنة تسعة هجرية، .
أكبر عدد الغزوات في العام الأول للغزوات، اثنين هجرية، وفيها ثمان غزوات، وأقل عدد للغزوات كان في سنة تسع، كان فيها غزوة واحدة، بلغت عدد البعوث والسرايا ثمان وثلاثين ما بين غزوة وسرية.
أول غزوة غزاها النبي النبي صلى الله عليه وسلم كانت الأبواء،  وسماها الشيخ هنا : غزوة ودان، وودان قرية بجوار الأبواء، وإنما تسمى بالاسم الأشهر، الأبواء وودان قريتان بجوار بعض ولكن ودان قرية صغيرة، والأبواء كبيرة، فالغزوة سميت بغزوة الأبواء نتيجة لاسم البلد الأكبر المشهور، وسميت ودان، لأنها وقعت في هذا المكان، سميت الأبواء لانتشار اسم الأبواء، فهى تسمى ودان وتسمى الأبواء.
ودان بينها وبين الأبواء مسافة حوالي ستة أميال، فأول غزوة غزاها النبي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه كانت غزوة الأبواء، وأول سرية بعثها النبي النبي صلى الله عليه وسلم بقيادة حمزة بن عبد المطلب في شهر ربيع الأول في السنة الثانية للهجرة وكانت إلى سيف البحر من أرض جهينة.
 الغزوة الأولى غزوة وَدَان :
كانت غزوة الأبواء في شهر صفر من السنة الثانية للهجرة النبوية وأراد النبي النبي صلى الله عليه وسلم الاعتراض على عير لقريش و هذه العير كانت لبني ضمرة كان النبي النبي صلى الله عليه وسلم يريدها، فسار حتى بلغ الأبواء من ديار بني ضمرة فلم يلقَ حربا وكانت فرصة لموادعة بني ضمرة من كنانة على أن لا يعينوا عليه أحداً وكتب في ذلك كتاباً لزعيمهم ،وكانت هذه أول غزوة غزاها النبي النبي صلى الله عليه وسلم. وقد حققت هذه الغزوة أهدافها  فقد كانت هذه الغزوة فرصة النبي النبي صلى الله عليه وسلم كاتب معهم كتابا أن يوادعهم وألا يحاربوه، وألا يعينوا عليه أحد، .
الغزوة الثانية: كانت غزوة بُوَاط.
بُوَاط: هي جبل من جبال جهينة من ناحية رضوى، خرج النبي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول، من السنة الثانية للهجرة وكان معه من أصحابه النبي صلى الله عليه وسلم مائتين وكان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يعترض عيراً لقريش فيها أمية بن خلف ومعه ومائة من قريش وألفان وخمسمائة بعير فبلغ بواط ثم رجع ولم يلقَ النبي صلى الله عليه وسلم حربا.فهذه الغزوة لم تحقق أهدافها.
 الغزوة الثالثة:غزوة العُشيرة،.
 وغزوة العُشيرة: هي لبني مدلج بناحية ينبع،
فكانت غزوة العشيرة خرج النبي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر جمادي الآخرة وكان معه مائة وخمسين من أصحابه ليعترض قافلة كبيرة لقريش كانت في طريقها إلى الشام وبلغ العُشيرة وفاتت العيِّر عليهم وكانت سبباً لوقوع بدر الكبرى، ودعى فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة على أن لا يعينوا عليه أحداً ثم عاد للمدينة ولم يلقَ حرباً.
وحققت  هذه الغزوة أهدافها.
الغزوة الرابعة: غزوة بدر الأولى وكانت تسمى سفوان:
خرج النبي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر جمادي الآخرة في السنة الثانية للهجرة النبوية ومعه مائتان من أصحابه النبي صلى الله عليه وسلم لمطاردة رجل كان يسمى كرز بن جابر الفهري للاعتداء على مواشي ومراعي المدينة وتمت بذلك المطاردة ولم يدرك العدو فرجعوا إلى المدينة دون قتال.فقال النبي النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه «هذه عير لقريش فيها أموالهم فاخرجوا لعل الله أن تغنموها»، وخرج الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم مع النبي النبي صلى الله عليه وسلم في يوم السبت الثاني عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة النبوية وكان عدد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ثلاثمائة وبضعة عشرة رجلاً،وكان معهم فرسان وسبعون بعيراً يتعقّبونها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يتعقبون بعيراً، أي كان عندهم بعيرا واحدا كل منهم يركبه وقت معين، ويدل ذلك على قلة ذات اليد عند الصحابة، وشغف الصحابة للجهاد، وحب الصحابة للجهاد، وأنهم جاهدوا بما هو ممكن ومتاح.
وفي هذا كان أبو سفيان يتتبع الأخبار، فبلغ أبو سفيان خروج النبي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لاعتراض القافلة فاستأجر رجلاً يسمى ضمضم بن عمرو الغفاري وطلب منه أن يشق ثوبه من القُبل ومن الدُبر، وأن يأتي قريشا في أنديتهم ويخبرهم بما فعل محمد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة في خروجهم على القافلة واعتراضها،وأتي قريش في أنديتهم وأخبرهم بما فعل محمد النبي صلى الله عليه وسلم من خروجه لاعتراض القافلة، وفي مقابل خروج القافلة من الشام، والنبي النبي صلى الله عليه وسلم خرج هو وأصحابه لملاقاة العير في أثناء هذا الحدث

خرج من قريش أو خرج من مكة بعد وصول الخبر إليهم من ضمضم بن عمرو الغفاري قرابة تسعمائة وخمسون رجلاً ومائة فارس وسبعمائة بعير، قوة قتالية عظمى.ولم يتخلف من أشرافهم إلا أبا لهب فإنه بعث في مكانه العاص بن هاشم بن المغيرة، ولما بلغ النبي النبي صلى الله عليه وسلم خروج هؤلاء النفير من مكة ومسيرهم إليهم ليمنعوا عيرهم فجمع الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم، استشارهم النبي النبي صلى الله عليه وسلم في القتال.
فقام أبو بكر فتكلم بأحسن كلام ثم قام عمر فتكلم بأحسن كلامه ثم قام المقداد بن الأسود فقال يا رسول الله: امضِ لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون ونقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك.
فقال الراوي: «فرأيت وجه النبي النبي صلى الله عليه وسلم قد أشرق وقد وسر وجهه النبي صلى الله عليه وسلم مما قال المقداد، ثم قام سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه.
فقال: يا رسول الله: إيانا تريد، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخوض البحر لخضناه ولو أمرتنا أن نضرب أكباده الإبل إلى برك الضماد أو قال إلى برك الغماد لفعلنا.ثم قام سعد بن معاذ فقال يا رسول الله والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منّا رجل واحد وما نكره أن نلقي عدونا غداً وإنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منّا ما تقرّ به عينك ، فسر النبي النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «سيروا على بركة الله»، فعندما سمع النبي النبي صلى الله عليه وسلم قول أصحابه قال: «سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» يعني الآن.
ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى بدر قريباً من البئر ووصلت قريش حتى نزلت بالعدوة القصوى من الوادي وبينهم مسافة فأنزل الله جل وعلا في تلك الليلة مطراً غزيرة فكان على المشركين شديداً، وكان على المسلمين مطرا يسيرا سقي منه المسلمون شربوا ورطبت أجسادهم ورطب ما معهم من خيول، فامتلاء الوادي على المشركين بالماء وكان ذلك من أسباب منعتهم في التقدم، وكان للمسلمين طلاً وطُهراً، وأذهب الله عنهم الرجز، ووطأ لهم الأرض وصلّب لهم الرمال، وثبّت لهم الأقدام، ومهّد لهم النزول، وربط على قلوبهم ولم يمنعهم من السير وسال الوادي فشرب المؤمنون وملئوا الأسقية وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة وسار الجيش حتى نزل ماء قريبا من بئر بعد مشورة الحباب بن المنذر لما قال يا رسول الله: أمنزل أنزلك الله أياه أم هي الحرب والمكيدة؟
قال: بل هي الحرب والمكيدة، قال: أتي بدرا حتى نشرب ونمنعهم، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم مشورة الحباب بن المنذر ونزل عند بدر، وأشار سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه أن يُبنى للنبي  صلى الله عليه وسلم عريشاً في مكان مرتفع في ميدان القتال ليرى وينظر إلى المعركة من مكان عالي، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم في مأمن، لأنه في مكان عالي فيكون في مأمن.
وكان القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم والصديق أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه في هذا المكان، وقام سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه على باب هذا العريش يحرسه صلى الله عليه وسلم متوشحاً بسيفه فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ميدان القتال قبل بدء المعركة وهو يشير لأصحابه وهو يقول: «هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، ما أشار بمكان صلى الله عليه وسلم حتى كان مصرع الذي أخبر عنه صلى الله عليه وسلم » وهذه من علامات نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم. 

من شرح كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين